عمر السهروردي

210

عوارف المعارف

والذي نقل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه سمع الشعر لا يدل على إباحة الغناء ، فإن الشعر كلام منظوم وغيره كلام منثور ، فحسنه حسن وقبيحة قبيح ، وإنما يصير غناء بالألحان . وأن أنصف المنصف وتفكر في اجتماع أهل الزمان ، وقعود المغنى بدفه والمشبب بشبابته ، وتصور في نفسه هل وقع مثل هذا الجلوس والهيئة بحضرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهل استحضروا قوالا وقعدوا مجتمعين لاستماعه ، لا شك بأنه ينكر ذلك من حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه . ولو كان في ذلك فضيلة تطلب ما أهملوها . فمن يشير بأنه فضيلة تطلب ويجتمع لها لم يحظ بذوق معرفة أحوال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه والتابعين ، واستروح إلى استحسان بعض المتأخرين ذلك ، وكثيرا ما يغلط الناس في هذا . وكلما احتج عليهم بالسلف الماضين يحتجون بالمتأخرين ، وكان السلف أقرب إلى عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهديهم أشبه بهدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكثير من الفقراء يستمع عند قراءة القرآن بأشياء من غير غلبة . قال عبد اللّه بن عروة بن الزبير : قلت لجدتى أسماء بنت أبي بكر الصديق رضى اللّه عنهما : كيف كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن ؟ قالت : كانوا كما وصفهم اللّه تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم . قال قلت : إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه ، قالت : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم . وروى أن عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنهما مر برجل من أهل العراق يتساقط ، قال : ما لهذا ؟ قالوا : إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر اللّه تعالى سقط ، فقال ابن عمر رضى اللّه عنهما : إنا لنخشى اللّه وما نسقط ، إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ، ما هكذا كان يصنع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .